U3F1ZWV6ZTEwMzY2MDYxMzkzX0FjdGl2YXRpb24xMTc0MzMxNzYzMDY=
recent
أحدث المواضيع

أصحاب الفيل

أصحاب الفيل
في هذا الموضوع، سنتحدث ـ بحول الله ـ عن قصة أصحاب الفيل كاملة، مُستَنبطةً من القرآن الكريم و السنة الصحيحة و من كتب السيرة المُعتمَدة، ¨كالسيرة لابن هشام¨ و ¨مختصر السيرة¨ لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله..

سبب قصة أصحاب الفيل :

كان سبب قصة أصحاب الفيل ـ على ما ذكر محمد بن إسحاق ـ أن أبرهة بن الصباح كان عاملا ً للنجاشي ملك الحبشة على اليمن، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة ـ شرفها الله ـ فبنى كنيسة بصنعاء، و كتب إلى النجاشي : ' إني بنيت لك كنيسة لم يُبن مثلها ، ولست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب '، فسمع به رجل من بني كنانة ، فدخلها ليلا، فلطخ قبلتها بالعذرة، فقال أبرهة : من الذي اجترأ على هذا ؟ قيل : رجل من أهل ذلك البيت، سمع بالذي قلت، فحلف أبرهة ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، فسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له : محمود، لم يُرَ مثله عظماً وجسماً وقوة، فبعث به إليه.

خروج أبرهة لهدم الكعبة :

خرجوا أصحاب الفيل أي أبرهة و من معه سائرين إلى مكة، فسمعت العرب بذلك فأعظموه، و رأوا جهاده حقاً عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن، يقال له ¨ ذو نفر¨، فقاتله، فهزمه أبرهة و أخذه أسيراً، فقال : أيها الملك استبقني خيراً لك، فاستحياه وأوثقه، فسار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي، و من اجتمع إليه من قبائل العرب، فقاتلوهم، فهزمهم أبرهة، فأخذ نفيلا، فقال له : أيها الملك، إنني دليلك بأرض العرب، و هاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة، فاستبقني خيراً لك، فاستبقاه، و خرج معه يدله على الطريق، فلما مرَّ بالطائف، خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، فقال له : أيها الملك، نحن عبيدك، و نحن نبعث معك من يدلك، فبعثوا معه بأبي رِغال مولى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمُغَمّس، مات أبو رغال، و هو الذي يرجم قبره، و بعث أبرهة رجلا من الحبشة ـ يقال له  الأسود بن مفصود ـ بعثه على مقدمة خيله و أمر بالغارة على نَعَم الناس، فجمع الأسود إليه أموال الحرم، و أصاب لعبد المطلب مائتي بعير، ثم بعث رجلا من حمير إلى أهل مكة،  قال : أبلغ شريفها أنني لم آت لقتال، بل جئت لأهدم البيت، فانطلق، فقال لعبد المطلب ذلك، فقال عبد المطلب : ما لنا به يدان، سنخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله و بيت خليله إبراهيم، فإن يَمْنَعَهُ فهو بيته وحرمه، و إن يخلي بينه و بين ذلك فوالله ما لنا به من قوة . قال : فانطلق معي إلى الملك، وكان ذو نَفَر صديقاً لعبد المطلب، فأتاه، فقال : يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال : ما غناء رجل أسير، لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشياً، و لكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، فإنه لي صديق، فاسأله أن يعظم خطرك عند الملك فأرسل إليه، فقال لأبرهة : إن هذا سيد قريش يستأذن عليك، و قد جاء غير ناصب لك، و لا مخالف لأمرك، و أنا أحب أن تأذن له، و كان عبد المطلب رجلاً جسيماً وسيماً، فلما رآه أبرهة أعظمه و أكرمه، و كره أن يجلس معه على سريره، و أن يجلس تحته، فهبط إلى البساط، فدعاه فأجلسه معه، فطلب منه أن يرد عليه مائتي البعير التي أصابها من ماله، فقال أبرهة لترجمانه، قل له : إنك كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت فيك، قال : لِمَ ؟ قال : جئت إلى بيت، هو دينك و دين آبائك، و شرفكم و عصمتكم، لأهدمه، فلم تكلمني فيه، و تكلمني في مائتي بعير ؟ قال : أنا رب الإبل و البيت له رب يمنعه منك، فقال : ما كان ليمنعه مني، قال : فأنت و ذاك، فأمر بإبله فردت عليه، ثم خرج، و أخبر قريشاً الخبر، و أمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، و يتحرزوا في رؤوس الجبال، خوفاً عليهم من مَعَرَّة الجيش، ففعلوا، و أَتى عبدُ المطلب البيتَ، فأخذ بحلقة الباب، و جعل يقول : ( يا رب، لا أرجو لهم سواكا .. يا رب فامنع منهمو حماكا ) ..( إن عدو البيت من عاداكا .. فامنعهمو أن يخربوا قراكا ) .. وقال أيضاً : ( لا هُمَّ إن المرء يمنع رحله .. و حلاله، فامنع حلالك ) ( لا يَغْلِبَنَّ صليبهم .. و محالهم غدواً محالك ) .. ( جروا جموعهم و بلادهم .. و الفيل ، كي يسبوا عيالك ) .. ( إن كنت تاركهم وكعبتنا .. فأمْرٌ ما بدا لك .. )، ثم توجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، و أصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول، و عبأ جيشه، و هيأ فيله، فأقبل نفيل إلى الفيل، فأخذ بإذنه، فقال : ابرك محمود، فإنك في بلد الله الحرام، فبرك الفيل، فبعثه أصحابه أي أصحاب الفيل فأبى، فوجهوه إلى اليمن، فقام يهرول، و وجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، و وجهوه إلى المشرق ففعل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك، و خرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل.

عقاب الله لأبرهة و جنده :

 أرسل الله على أصحاب الفيل طيراً من قبل البحر، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجرين في رجليه و حجراً في منقاره، فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحداً إلا هلك، و ليس كلَّ القوم أصابت، فخرج البقية، هاربين يسألون عن نفيل، ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فماج بعضهم في بعض، يتساقطون بكل طريق، و يهلكون على كل منهل، و بعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعلت تساقط أنامله، حتى انتهى إلى صنعاء وهو مثل الفرخ، و ما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك.

نزول سورة الفيل و سورة قريش :

قال ابن إسحاق في السيرة لابن هشام: فلما بعث الله تعالى محمداً ـ صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم ـ كان مما يعد الله على قريش من نعمته عليهم و فضله،  ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم و مدتهم، فقال الله تبارك و تعالى : " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ."
و قال : " لِإِيلافِ قُرَيْشٍ. إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ." أي : لئلأ يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.
تفسير مفردات سورتي الفيل و قريش : قال ابن هشام : الأبابيل : الجماعات، و لم تتكلم لها العرب بواحد علمناه، و أما السِّجيل، فأخبرني يونس النحوي و أبو عبيدة : أنه عند العرب : الشديد الصُّلب، و العصف: ورق الزرع الذي يبقى بعد الحصاد، و تعصفه الرياح، فتأكله الماشية، مأكول : أي أكلت الدواب بعضه و تناثر بعضه الآخر من بين أسنانها.

قال رؤية بن العَجَّاج :

                 و مسَّهم ما مس أصحاب الفيلْ                ترميهم حجارة من سجِّيل
                                           و لعبت طير بهم أبابيل  

و هذه الأبيات في أرجوزة له

و إيلاف قريش : إلفهم الخروج إلى الشام في تجارتهم ، وكانت لهم خرجتان : خرجة في الشتاء، و خرجة في الصيف، قال أبو زيد الأنصاري - في السيرة لابن هشام - : أن العرب تقول : ألفت الشيء إلفاً، و ألفته إيلافاً، في معنى واحد.
و قريش : اسم للقبائل العربية من ولد النضر بن كنانة، و الرحلة : ارتحال القوم أي شدهم الرحال للمسير، و أطعمهم : أي وسع لهم الرزق، و مهّد لهم سبيله، و آمنهم : أي جعلهم في أمن من التعدي عليهم، و التطاول إلى أموالهم و أنفسهم.
 فلما رد الله الحبشة عن مكة، و أصابهم بما أصابهم به من النقمة، أعظمت العرب قريشاً، و قالوا : هم أهل الله، قاتل الله عنهم و كفاهم مؤونة عدوهم، فقالوا في ذلك أشعاراً يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة، و ما رد عن قريش من كيدهم.
و عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، بن سعد، بن زرارة، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : لقد رأيت قائد الفيل و سائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس.

العبرة من قصة أصحاب الفيل :

يمكن أن نستخلص من قصة أصحاب الفيل عدة عبر و فوائد و قيم، نذكر منها باختصار ما يلي:
-  بيان شرف الكعبة، بيت الله الحرام، الذي جعله الله أول بيت وُضعَ للناس و أمرهم بالتوجه إليه لعبادة الله تبارك و تعالى، لتكون الكعبة حرماً آمناً لهم، و منها و إليها تكون مناسك الحج و العمرة في دين الله الإسلام.
- حِفْظُ الله للبيت العتيق من الأيدي الكافرة و الأطماع الفاجرة الماكرة لنُصرة دينه.
فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب و حفظه من المشركين، سيحفظه إن شاء الله و يحفظ مدينة رسول الله صلى الله عليه و سلم من كيد الكائدين و مكر الماكرين.



ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة