U3F1ZWV6ZTEwMzY2MDYxMzkzX0FjdGl2YXRpb24xMTc0MzMxNzYzMDY=
recent
أحدث المواضيع

الهجرة الأولى إلى الحبشة

الهجرة الأولى إلى الحبشة
كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، نتيجةً لقسوة قريش في إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فلم يرعوا فيهم قرابة، وتخطَّوا حدود الإنسانية، فاشتد البلاء على المسلمين، ثم أذِن الله عز وجل لهم بالهجرة إلى الحبشة، فِراراً بِدِينهم؛ فهاجروا إلى مملكة النجاشي أصحمة بن أبجر، فآواهم وأكرمهم، وكانوا عنده آمنين.

الهجرة الأولى إلى الحبشة

كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة في شهر رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسبب هذه الهجرة اشتداد أذى المشركين على المسلمين وازدياد اعتدائهم عليهم وتفنّنهم في تعذيبهم والنيل منهم بشكل متواصل، فأذِن النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وهي في غرب مكة بين البلدين: صحاري السودان، والبحر الآخذ من اليمين إلى القُلزم وهو بلد على ساحل البحر الأحمر، وقال: '' لو خرجتم إلى الحبشة، فإن بها ملِكاً لا يُظلم عنده أحدٌ، وهي أرض صِدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه ''، أما رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد جعل الله له عمّه أبا طالب مُناصراً له؛ وكان هذا البلد ( أي الحبشة ) بلدُ نصارى؛
فخرجت جماعة المهاجرين متوجهين إلى أرض الحبشة، وكانوا اثنى عشر رجلاً وأربع نسوة، منهم: عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ وكانا أول من خرج، فارّان بِدِينِهِما؛ وخرج أبو بكر الصديق والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو سلمة وامرأته، رضي الله عنهم جميعاً؛ ثم تتابع المسلمون بعد ذلك، فمنهم من خرج بأهله ومنهم من خرج بنفسه؛ ولم يكن الهدف من هذه الهجرة فقط النجاة من أذى المشركين، بل أيضاً دعوة الناس إلى دين الله سبحانه؛
فخرجوا متسلّلين سراً، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملوهم إلى الحبشة، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر، فلم يُدركوا منهم أحداً، وكان خروجهم كما ذُكر في رجب، فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان.

بعثُ قريش وفداً إلى الحبشة

أسفرت الهجرة الأولى إلى الحبشة مجموعة من الأحداث، ذلك لمّا رأت قريش أن المهاجرين قد اطمأنوا وأمِنوا ببلاد الحبشة، بعثوا إليهم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته ( جمع بطريق وهو القائد الحاذق بالحرب )، وقدما على النجاشي، وقد استمالا البطارقة، وأرضياهم بهداياهم، وتكلّما في مجلس الملِك، فقالا: '' إنه لجأ إلى بلد الملك مِنّا غلمان سفهاء، فارقوا دِين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدِين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم، فهم أبصر بهم وأقرب إليهم ''، وقالت البطارقة حوله: '' صدقاً أيها الملك، فأسلمْهم إليهما''؛
فغضب النجاشي، وأبى أن يقبل كلامهم، ويسلمَ من لجأ إليه وإلى بلاده، وحلف بالله، وأرسل إلى المسلمين، فدعاهم، ودعا أساقفته ( علماء النصارى )، وقال للمسلمين: ما هذا الدِين الذي قد فارقتم فيه قومكم؟ ولم تدخلوا في ديني ودين أحدٍ من هذه المِلل؟ فقام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: '' '' أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، ( فعدَّد عليه أمور الإسلام ) فصدقناه وآمنَّا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشركْ به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك ''

بكاء النجاشي وأساقفته وخيبة وفد قريش

لمّا سمع النجاشي كل ذلك في هدوء ووقار، قال: '' هل معك ممّا جاء به صاحبكم عن الله من شيء؟ '' قال جعفر: '' نعم ''؛ قال النجاشي: '' فاقرأه عليّ ''؛ فقرأ جعفر صدراً من سورة مريم، فبكى النجاشيّ، حتى اخضَلّت ( ابتلّت ) لحيته، وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم؛
ثم قال النجاشي: '' إن هذا والذي جاء به عيسى، يخرج من مشكاةٍ واحدةٍ ''، ثم أقبل على رسولَيْ قريش، فقال: '' انطلقا فلا والله لا أسلمُهم إليكم، ولا يُكادون ''؛
وأطلق عمرو بن العاص آخر سهم من سهام جعبَتِهِ، وهو سهم مسموم، فغدا على النجاشي من الغد، وقال له: '' أيها الملك! إنهم ليقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأقبل الملك على المسلمين، فقال: '' ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ قال جعفر بن طالب: '' نقول فيه ما جاء به نبيّنا عليه الصلاة والسلام هو عبد الله ورسوله، ورُوحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ''، فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عوداً، ثم قال: '' والله ما زاد عيسى ابن مريم على ما قُلتَ مقدار هذا العود ''، وردّ المسلمين ردّاً كريماً، وأمَّنهم، وأمر بردِّ هدايا رسولي قريش، وخرجا من عنده مقبوحين، فأقام المسلمون بخيرِ دارٍ مع خيرِ جارٍ؛
وقد هاجم النجاشي عدو له، فانتصر المهاجرون المسلمون للنجاشي اعترافاً بِحُسن موقفه من المهاجرين المضطهدين ومكافأته على حُسن صنيعه، وكان ذلك مطابقاً لتعاليم الإسلام الخلقيّة ولائقاً بأخلاق المسلمين، فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة خير قرارٍ ممّن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى.

رجوع المهاجرين إلى مكة وسبب كفّ قريش عن أذى المسلمين

كانت مدة إقامة الهجرة الأولى إلى الحبشة شهرَيْ شعبان ورمضان، ثم رجعوا إلى مكة في شوال لمّا بلغهم أن قريشاً صافّوا رسول الله عليه الصلاة والسلام وكَفُّوا عنه؛
وكان سبب ذلك أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم، فلما بلغ ' أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ' ( سورة النجم الآية ١٩ ٢٠ )؛ ألقى الشيطان على لسانه: '' تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ''، فقال المشركون: '' ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، وقد علمنا أن الله يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولكن آلهتنا تشفع عنده ''، فلمّا بلغ السجدة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون كلهم، إلا شيخاً من قريش، رفع إلى جبهته كفّاً من حصى فسجد عليه، وقال: '' يكفيني هذا ''، فحزن النبي عليه الصلاة والسلام حزناً شديداً، وخاف من الله خوفاً عظيماً، فأنزل الله : ' وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ' ( سورة الحج الآية ٥٢ )؛ ولمّا استمر النبي عليه الصلاة والسلام على سبِّ آلهتهم، عادوا إلى شر مما كانوا عليه، وازدادوا شدة على من أسْلَم.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة