U3F1ZWV6ZTEwMzY2MDYxMzkzX0FjdGl2YXRpb24xMTc0MzMxNzYzMDY=
recent
أحدث المواضيع

قصة الإفك

قصة الإفك
 من الحوادث التي وقعت عَقِبَ غزوة بني المصطلق، قصة الإفك، الذي رُمِيَت به أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها، و هي منه بَرَاء، و كان الذي افتراه، الخبيث عبد الله بن أُبَي بن سلول و أصحابه المُنافقين , كل ذلك كان حِقداً و حسداً و غيضاً على النعمة التي أكرم الله سبحانه و تعالى بها نبيه محمداً صلى الله عليه و سلم، و أصحابه الكرام، فكان هؤلاء المنافقون، يُثيرون أموراَ، لينشروا بين الصحابة العداوةً و الأحقاد، فكان رسول الله عليه الصلاة و السلام، في كل مرة يُطفِئُ ما يُوقِدونه من الفتن، و يقطع دابر شرهم,فالشاهد أن عبد الله بن أُبَي و أصحابه المُنافقين كانوا، على إثرِ هذه الغزوة، قد تقصَّدوا إثارة الفوضى و العداوات، كل ذلك لزعزعة المسلمين، و تفكيك الأخوة و المحبة التي بين أهل الإيمان، فكان كل ما يُثيرونه، يُطفِئه الله بِمَنِّه و كرمه و فضله.
و من ذلك، قصة الإفك و الإفتراء الكاذب و الآثِم، الذي افتراه هذا المنافق و جماعته، حيث رموا أُمُّ المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها، بما هي منه بريئة.

سبب قصة الإفك 

  كانت أمُّنا عائشة بنت أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ قد خرجت مع رسول الله عليه الصلاة و السلام، في هذا السفر، فكانت تُحمَلُ في هَوْدَج ( الهَوْدَج : شيءٌ يُوضَعُ فوق سنامِ الجمل، و يكون ساتِراً لمن بداخله )، فنزلوا في بعض المنازل، فأرادوا أن يرتحلوا أول النهار، فذهبت ـ رضي الله عنها ـ لقضاء حاجَتِها، ثم رجعت، فإذا هي فاقِدَة عِقْداً لأُخْتها أسماء، كانت أعارتها إياه، فازداد حِرصُها على العِقد، لأنه مُستعار، فرجعت للبحث عنه في الموضع الذي كانت فيه، فجاء النَّفَر الذين كانوا يرحلون بها، فحملوا الهَوْدَج، حَمْلَةَ رجل واحد، و لم تكن فيه أم المؤمنين، و لم يستنكروا خِفَّته، لِتَعَوُّدِهِم عليه، و لأن أمنا عائشة، لم تكن في ذلك الوقت تحمل اللحم، أي كانت طفلة صغيرةً سِنها 14 سنة، فلم يشعروا أنها لم تكن بداخله , فلما رجعت، و قد وجدت العِقد، لم تَرَى بالمكان الذي نزلوا فيه أحداً، فجلست، و قالت إنهم سيفقدونها، فيرجعون إليها، فأخذتها سِنةٌ من النوم، ثم نامت في مكانها, و كان صفوان بن المعطل ـ رضي الله عنه ـ يتلَّخف عادةً عن القوم، لأنه كان ثقيل النوم، فلما تأخر عن الرَّكب على عادته، مَرَّ بأمنا عائشة، فرآها، ثم قال ''إنا لله و إنا إليه راجعون''، و هذه كلمة تُقال عند المصيبة، و ارتحال القوم عن أم المؤمنين، و بقاؤها لوحدها، لا شك أنها مصيبة , فقَرَّبَ إليها بعيره، فركبتهُ، و لم يكلِّمها كلمة واحدة، ثم جعل يقود بها، إلى أن وصل بها إلى القوم، فلما رأى ذلك الناس، تكلم المنافقون، و بدأوا يُثيرون التهمة الكاذبة و الإفك المبين، على أُمُّ المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها، فجعل عبد الله بن أُبَي الخبيث، يتكلم في عِرضِها و يستحكيه و يظهره ، ليُشيع هذه التهمة على زوجة رسول الله .

ماذا دار بين رسول الله و أمنا عائشة ؟

  حصل لأمنا عائشة، شِدَّةً و مِحنة، فانطرحت على الأرض تبكي، ليلها و نهارها، و هي تعلم أنها بريئة، لكن شَقَّ عليها ذلك الكذب المبين، و ضاق الأمر على بيت أبي بكر الصديق، و على رسول الله , قالت: فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي، وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي، فلم تجد ما تفعله لي إلا أنها كانت تبكي لبكائي، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد يا عائشة؛ فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب، تاب الله عليه , قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قَلُص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم , قالت: فقلت وأنا جاريةٌ حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن، والله لقد علمتُ أنكم قد سمعتم الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدّقتم، فلئن قلت لكم إني بريئة ـ واللهُ يعلم أني بريئة ـ لا تصدقوني، ولئن اعترفت بأمرٍـ واللهُ يعلم أني منه بريئة ـ لتصدّقنّي، فوالله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف ـ وقد التمست اسم يعقوب فلم أذكره ـ : ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون )؛ قالت: ثم تحوّلْتُ فاضْطجَعْتُ على فراشي، وأنا واللهِ أعلم حينئذ أني بريئة وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي، ولكن ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحيٌ يُتْلى، ولَشَأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيّ بأمرٍ يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني اللهُ بها

 نزول الوحي و براءة أمنا عائشة

 قالت: فوالله ما فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، و لا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله تعالى على نبيّه، فأخذه ما كان يأخذه من الشدة عند الوحي، حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق، و هو في يومٍ شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه؛
قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشري يا عائشة، أمَّا الله عز و جل فقد برَّأَك , فقالت أمي: قومي إليه، فقلت: و اللهِ لا أقوم إليه و لا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله سبحانه و تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَ الَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ )؛ و قد أنزل الله تعالى عشر آيات في سورة النور فيها براءة عائشة من الإفك المبين، و بيان طهارة فراش النبي صلى الله عليه وسلم مما رماه به المنافقون و جماعتهم ,و لذلك اتفق أهل العلم، أن من رمى عائشة ـ رضي الله عنها ـ بما بَرَّأَها الله منه في وحي و آياتٍ تُتْلَى في كتابه، فهو كافر بالله، لأنه يكون بذلك مُكَذِّباً للقرآن العظيم.
 فحادثة الإفك هذه، قد هزت بيت النبوة شهراً كاملاً، بل هزت المسلمين كلهم، هذا الحادث الإفك، قد كَلَّفَ أطهر النفوس في تاريخ البشرية، ألماً لا يُطاق، حتى أنه صلى الله عليه و سلم، كان يصعد المنبر يتلذذ من الألم، لأنه هو الذي جاء يُحْيِي شريعة الطُّهر و الفضيلة، و يدعو إليهما، ثم تأتي تلك الألسُن و القلوب المُنافِقة، لِتُطلِقَ ذلك الهُراء، لِيَمَسَّ أديم الطُّهرِ عند سيد الأنبياء , فكانت عائشة الطاهرة ـ رضي الله عنها ـ مفوضة أمرها لربها، فأنزل الله رب العالمين كلاماً وحياً، يُتلى في المحاريب إلى يوم الدين، قرآناً طاهِراً مُطَهَّراً، يحمل البراءة لأطهر عِرْضٍ، عِرْضِ رسول الله صلى الله عليه و سلم , فهذه سُنَّةُ الله في أوليائه و عباده المُتَّقِين، عند الشدائد يجيئُهم الفرج و النصر لا محالة , و أيضاً من الفوائد المُستَخلَصة من هذه القصة: أنه على كل إنسان تأتيه مصيبة من المصائب، أن يصبر، و الصبر مع انتظار الفرج من أعظم العبادات، و ليعلم أن هذه المصائب، تُكَفَّرُ بها السيئات، و إذا احتسب الإنسان الأجر، رفع الله له بها درجات، قال النبي صلى الله عليه و سلم: ''و اعلم أن النصر مع الصبر، و أن الفَرَج مع الكرب، و أن مع العسر يُسراً.'' .
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة