U3F1ZWV6ZTEwMzY2MDYxMzkzX0FjdGl2YXRpb24xMTc0MzMxNzYzMDY=
recent
أحدث المواضيع

شيخ الإسلام ابن تيمية

 شيخ الإسلام ابن تيمية
مَنَّ الله على الأمة الإسلامية بالعديد من الأئمة و العلماء، من أشهرهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فما زالت تنتفع بكُتُبه و مؤلَّفاته إلى يومنا هذا, فلهؤلاء العلماء دور كبير في إرشاد الأمة إلى الخير، و تعليم الناس ما أوجب الله عليهم، و تحذيرهم مما حرَّم الله عليهم , و قد جعل الله تبارك و تعالى لأهل العلم و حَمَلَتِه، مكانةِ عَلِيَّة و منزِلةٍ رفيعة، فَشَرَّفهم و أعلى قدرهم و رفع مكانتهم، و مَيَّزهم عن غيرِهِم، قال الله تعالى: '' قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ '' و قال عز و جل : '' يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ''، و مما شَرَّفَ الله سبحانه و تعالى به العلماء، أن قَرَنَ جل في علاه، شهادتهم بشهادته، في أعظم و أجَلِّ مشهودٍ به، و هو توحيده سبحانه، قال الله تعالى: '' شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلَائِكَةُ وَ أُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ''؛ فمن هو شيخ الإسلام ابن تيمية ؟ و كيف كانت نشأته العلمية ؟ و ما قصة سجنه ؟ و كيف كانت وفاته رضي الله عنه ؟  , كل هذا و أكثر سنراه بالتفصيل في هذا الموضوع إن شاء الله .

من هو شيخ الإسلام ابن تيمية ؟

  هو أحمد تقي الدين أبو العباس ابن الشيخ شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ عبد السلام مجد الدين أبي البركات ابن عبد الله ابن تيمية، و قد اختلف العلماء في عِلَّة تسمية الأسرة ب '' ابن تيمية ''،  قيل أنها اسمٌ لجدَّتهم، كانت عالمةً تقيةً، و قيل غير ذلك. و بَيْتُ آل تيمية، بَيْتُ عِلم مُتَوارَثٌ بينهم، فقد قرأ والد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ و هو الشيخ عبد الحليم ـ على أبيه عبد السلام ـ جد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ المذهب الحنبلي حتى أتقنه، و دَرَّس و أفتى و صَنَّف، و كان إماماً مُحَقِّقاً كثير الفنون، متواضعاً، حسن الأخلاق، و كان عبد السلام إماماً مُحدِّثاً فقيهاً، الذي له كتاب ' المنتقى ' في الحديث، و ' المحرر ' في الفقه، و له مؤفات عظيمة، و كان عجباً في حفظ الأحاديث و سردها، و حفظ مذاهب الناس بلا كَلَفَة.. فهذا البَيْت، بَيْتُ عِلم؛ و كانت هذه الأسرة مشهورة أيضاً بقوة الذاكرة و الحفظ، بحيث أن أبوه الشيخ عبد الحليم، كان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجُمَع، من حِفْظِه فقط من غير استعانة بِقِرطاس و لا كتاب، و جَدُّهُ كذلك.. فهي أسرة عريقة في العلم، ضاربة الجذور فيه، و كان أهم متاعها و أثمَنُها كُتُب أهل العلم، فلا عجب أن نرى شيخ الإسلام رحمه الله يبلغ من ذلك مبلغاً تحتار فيه العقول، و الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، و هو على كل شيء قدير

مولده و نشأته العِلمِية  

  وُلِدَ هذا العالِم في سنة 661 للهجرة، في أرض حَرَّان، في بلاد الشام، و كانت موطن آبائه و أسرته؛ تلقَّى العِلم من صغره على أبيه عبد الحليم و على أعمامه، ثم انتقل به أبوه و إخوته من حَرَّان إلى دمشق فراراً و خوفاً من زحف التَّتار و جورِهِم، و غزوهم لبلاد المسلمين العراق و الشام، و كان أحمد صغيراً شابّاً، فتلقى العِلم عن علماء دمشق، و كان ذكياً ذكاءًا عظيماً، أعطاه الله الذكاء و الحفظ و التنبه و سرعة الإدراك، فحاز على علومٍ عظيمة، لا على فنٍّ واحد، فبَرَزَ في التفسير و الحديث و الفقه و اللغة، و حتى أنه درس عِلم الكلام و عِلم المنطق، و عرف أصوله و عرف منهجه، إلى جانب دراسته لكتاب الله و سنة رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ و منهج السلف الصالح، و درس الفقه الحنبلي، مع تَتَبُّعٍ لسير الإمام أحمد، و كان شيخ الإسلام يُجِل الإمام أحمد إجلالاً خاصاً، و يُشيد بمواقفه و يُعْجَبُ بمناقِبِهِ، فتَبَحَّر في العلوم، و صار يُفتي و سِنُّهُ لم تصل إلى العشرين، فجلس للتدريس، فَبَهَرَ من حَضَر من العلماء و الطلبة المُستفيدين من غزارة عِلمه و دقة فهمه، و إلمامه بالمذاهب و العلوم، ثم صار يُناظِر الأكابر حتى في مذاهبهم، و يعرف منها ما لا يعرفون , فكان رأساً في معرفة الكتاب و السنة و الإختلاف، و فريدُ عصره، علماً و عملاً و زُهداً و شجاعةً، و أمراً بالمعروف و نهياً عن المنكر.

ثناء العلماء عليه 

  قال الإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي: ''هو الشيخ الإمام الرباني إمام الأئمة، و مفتي الأمة، و بحر العلوم، سيد الحُفَّاظ، و فارس المعاني و الألفاظ، فريد العصر و قريع الدهر، شيخ الإسلام، و علامة الزمان، ترجمان القرآن، علم الزهاد، أوحد العباد و قامع المبتدعين و آخر المجتهدين.''
و قال الإمام الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذهبي : ''كان كثير التصانيف، و قرأ و حصَّل و برع في الحديث و الفقه، و تَأهَّل للتدريس و الفتوى، و هو ابن سبع عشرة سنة، و تقدم في علم الأصول و جميع علوم الإسلام : أصولها و فروعها، و دقها و جلها، فإن ذُكِر التفسير، فهو حامل لوائه، و إن عُدَّ الفقهاء، فهو مجتهدهم المطلق، و إن حضر الحُفَّاظ، نطق و خرسوا، و سرد و أُبلسوا، و استغنى و أفلسوا، و له يد طولى في معرفة العربية و الصرف و اللغة..''
قال الشيخ عماد الدين الواسطي : ''فوالله، ثم والله، ثم والله، لم يُرَ تحت أديم السماء ـ يقصد في عصره ـ مثل شيخكم ابن تيمية، علماً و عملاً و حالاً و خُلُقاً و اتباعاً و كرماً و قياماً في حق الله عند انتهاك حُرُماته، و أصدق الناس عقداً، و أصَحُّهُم علماً و عزماً، و أنْفَذُهُم و أعلاهُم في انتصار الحق و قيامه هِمَّةً، و أسخاهم كَفّاً، و أكملهم اتباعاً لسنة نبيه محمدٍ ـ صلى الله عليه و سلم ـ ، ما رأينا في عصرنا هذا من تُستَجلى النبوة المحمدية و سُنَنها من أقواله و أفعاله إلا هذا الرجل، يشهد القلب الصحيح، أن هذا هو الإتباع حقيقةً.'' 
و قال الإمام الحافظ الناقد أبو الحجاج يوسف المزي : ''ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله و سنة رسوله و لا أتبع لهما منه.''

أشهر تلامذته و مؤلفاته  

  فمن أشهر تلامذته البارزين: ابن القيم الجوزية المتوفى سنة (751)، الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت 744)، الحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي المتوفى (742)، الحافظ المؤرخ أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي (ت748)، أبو الفتح ابن سيد الناس محمد بن محمد اليعمري المصري (ت734)، الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي (ت739).   
أما مؤلفاته؛ فقد قال ابن القيم رحمه الله :
"أما بعد: فإن جماعة من محبي السنة و العلم، سألني أن أذكر له ما ألفه الشيخ الإمام العلامة الحافظ، أحمد ابن تيمية ـ رضي الله عنه ـ فذكرت لهم أني عجزت عن حصرها و تعدادها, ثم قال :"فمما رأيته في التفسير" : فذكر اثنين و تسعين مؤلفاً، ما بين رسالة و قاعدة , قال: "و مما صنَّفه في الأصول مبتدئًا أو مجيباً لمعترض أو سائل" : فذكر عشرين مؤلفاً، ما بين كتاب و رسالة و قاعدة, ثم قال: "قواعد و فتاوى" : فذكر خمسة و أربعين و مائة، ما بين كتاب و قاعدة و رسالة , "الكتب الفقهية" : و سَرَدَ خمسة و خمسين مؤلفاً، ما بين كتاب و رسالة و قاعدة, "وصايا و إجازات و رسائل تتضمن علوماً" : بلغت اثنتين و عشرين.

محنة شيخ الإسلام ابن تيمية 

  ظهرت في وقت الشيخ رحمه الله، مجموعة من الفرق و الطوائف الضالة المُخالفة للكتاب و السنة، أمثال الصوفية، الشيعة، القبورية ـ عُبَّاد القبور و الصالحين و الأولياء ـ ، فابتُلِيَت الأمة بِشَرِّها، و بأنواع كثيرة من الفتن، في العقيدة و العبادة، فقام الشيخ رحمه الله، بمقاومة كل هذه الطوائف و مُنازلتِها و الرد عليها، بدروسه و كِتاباته و إجاباته و فتاواه و مؤلفاته، فَنَصَره الله عليها، لكن شكوا به إلى السلاطين و الولاة، حتى عُقِدَت له مُحاكمات عديدة، و ظهر عليهم فيها بالحُجة، فَعِنْد ذلك لم يجدوا سلاحاً إلا السجن، فَسُجِن في الشام، ثم أُطلِق، ثم سُجِن مرة أخرى.. و كان الشيخ إذا دخل حبساً، وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب، يتلهَّون بها عما هم فيه؛ كالشطرنج و النرد، مع تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ عليهم، و أمرهم بملازمة الصلاة، و التوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، و التسبيح، و الإستغفار، و الدعاء، و علَّمهم من السنة ما هم محتاجون إليه، و رغَّبهم في أعمال الخير، و حضَّهم على ذلك، حتى صار الحبس ـ بالإشتغال بالعلم و الدين ـ خيراً من كثير من الزوايا و المدارس؛ فكان الشيخ يكتب و يؤلف و ينشر العلم داخل السجن، فمَنَعُوه، فجعل يكتب العلم على جدران السجن , فلما رأوا أنه لم يَحُد من نشاطه، قاموا و منعوا عنه الكتب و الحبر و منعوا عنه الزوار، عند ذلك تفرغ لتلاوة القرآن و العبادة و الإشتغال بذكر الله، و التفكر و التدبر..
  فكان الشيخ رحمه الله، يحمد الله على ما مَنَّ به عليه، و يقول : ''المحبوس من حُبِسَ قلبه عن ربه، و المأسور من أسره هواه '' و يقول : ''ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي و بستاني في صدري، أينما رُحْتُ فهي معي، أنا حَبسي خلوة، و قتلي شهادة، و إخراجي من بلدي سياحة.

قصة وفاته  

توفي الشيخ رحمه الله، في ليلة الإثنين لعشرين من ذي القعدة، سنة ثمانٍ و عشرين و سبعمائة، و هو عاكِفٌ على كتاب الله عز و جل، بحيث كان يختم كل عشرة أيام ختمة، و ختم القرآن مدة إقامته بالسجن : إحدى و ثمانين ختمة، و لما شرع في الختمة الأخيرة، و هو يقرأ قول الله تعالى : ''إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ''، توفي رحمه الله، فَعَلِمَ الناس بموته، و اشتد التأسُّف عليه، و كَثُرَ الحزن و البكاء، و دخل عليه أصحابه و أقاربه، و ازدحم الناس في الطرقات و على باب السجن، فَصُلِّي عليه هناك أولاً، ثم صُلِّيَ عليه بالجامع الأموي عقب صلاة الظهر، فلما قُضِيت الصلاة، حُمِلَ إلى مقبرة الصوفية، فَدُفِنَ هنالك، و كان دفنه قُبَيْل صلاة العصر، و غُلِّقَت الأسواق و الحوانيت، و لم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز، مع الترحم و الدعاء له، و حضر  أيضاً نساء كثيرات، بحيث قُدِّرْنَ بحوالي خمسة عشر ألف امرأة، الجميع يترحمن و يبكين عليه
هذه الخواتيم المباركة، لهذا العالِم الرَّبَّاني الذي صدق مع الله سبحانه، فجعله من الأئمة المُصلحين، الذين قاموا بِنُصرة هذا الدِّين العظيم و إظهاره، و دفع الشبه و الأباطيل، التي نُسِبت للدِّين و ليست منه, فجزاه الله عن هذه الأمة خير الجزاء.



ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة